محمد راغب الطباخ الحلبي

477

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

منتظمة كمدارس أوروبا الجامعة وكان عنده من مواد العلم ومعرفة الأمة والحكومة بقيمة صاحبه مثلما في أوروبا . وبالجملة إنك لم تكن تذاكره في شيء ولا علم إلا ويشاركك فيه على بصيرة . عمله ووجهته : كانت وجهته في كل عمل عمله أو حاوله هي المنفعة العامة . فأول شيء ولاه وجهه هو إنشاء جريدة في بلاد لم تكن تعرف الجرائد الأهلية ولم تكن بضاعة الكتاب رائجة فيها ، ولو كان في بلاده حرية للجرائد لكان له في ( الشهباء ) الأثر المحمود ، ولكن البلاد التي تحكم بالاستبداد كالأرض الموبوءة لا تحيا فيها الجرائد ، ولذلك لم تنجح جريدة من الجريدتين اللتين أنشأهما ، لأن نفسه الأبية لم تستطع إرضاء الحكام فيما يكتبه ، وهكذا كان شأنه في وظائفه . ولي رياسة البلدية ، فكان أول عمل عمله للبلد أن وضع على طرق المدينة من خارجها سلاسل من الحديد تمنع الجمال التي كانت تسد الطرقات وتمنع المارين من التردد في حوائجهم ، وجعل لهذه الجمال التي تحمل إلى البلد ومنه مكانا أو أمكنة مخصوصة . وكانت مصلحة القبّان قد حصرت في واحد من الأغنياء يأخذها من البلدية بالالتزام ولا يتجاسر على الزيادة عليه أحد لتقربه من الرؤساء ، فلما علم أن الرئيس الجديد لا يصده التقرب إليه عن خدمة المصلحة عرض عليه أربعين ألف قرش أو أكثر يعطيه إياها رشوة كل عام في مقابلة سكوته عنه ، فلم يقبل الفقيد أن يأخذ لنفسه شيئا ، ولكنه قبل أن يكون المبلغ إعانة لصندوق البلدية ، فعلم الوالي بهذه الزيادة في الصندوق وسعى في أن يكون له سهم منها ، فأبى عليه الفقيد ذلك فعزله . وهكذا كانت سيرته مع الحكام في كل وظائفه أو جلها ، يتصرف للإصلاح فيصدونه عنه لأجل منفعة مالية أو لتقليل نفوذه فلا يتم له عمل . وكل أول عمل عمله في إدارة مجلس البلدية هو قطع عرق الرشوة من العمال الذين يباشرون الأعمال والمصالح ويسمون ( الجاويشية ) ولكنه زاد في راتبهم لعلمه بأن الذي يضطر أكثر العمال إلى الرشوة هو قلة الراتب .